الصفحة الرئيسية ›› الفكر ›› كلمة الموقع

post-image

الحق (جل جلاله) وأزمات الفكر

2012-11-10 08:01:54 | أحمد خليفة يوسف

  • 4959

من خلال الإرتباط يمكنك قراءة هذا المقال بالاسبانية بصيغة PDF
من خلال الإرتباط يمكنك قراءة هذا المقال بالفرنسية بصيغة PDF

الحمد لله الذي هدانا للإسلام ومن علينا بالإيمان وشرفنا بالعبودية، الفضل والمنزلة التي لن يدركها الإنسان إلا إذا أدرك معنى الإيمان. قال تعالى: " الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون" الأنعام (82).
اقتران الإيمان باليقين يتبعه إقرار جازم علما وفكرا أن الله هو الخالق رب كل شيء ومليكه، تفرد في الصفات والأسماء والأفعال.

والعلم نوعان إما أن يكون موحى ( الذي أوحاه الله لأحد من عباده المصطفين ) وهذه العلوم انقطعت لتختزل في كتاب الله المحفوظ لتعطي مثلا على علوم الخلق وصفات وأسماء وأفعال الخالق ولتكون سبيل العقل للتعرف على الحق والهداية إليه أما النوع الثاني من العلوم فإنها المتحققة من التجربة والاستنتاج والملاحظة.
والعلم الموحى يكون قطعيا وأكثر دراية في الدلالة على علوم الخلق وكل أمر يتعلق بالخالق عرف للخلق، أما العلوم المتحققة فإنها مدركة ناتجة عن التجارب والبراهين دليل استيعاب واستغلال الإنسان، ولكل علم موحى دليل تأكيد في العلوم المتحققة فلا تعارض بين مصادر العلوم و إلا كان أحدهم غير صحيح، وفي التزام مصادر العلوم إقرار على علم الخالق جل جلاله عالم السر في السماوات والأرض.

أما الفكر فإنه قدرة الإنسان على تلقي العلوم وتحليلها وتسخيرها والاستفادة منها للوصول إلى أهدافه المتوخاة. وتنعكس آثار العلم والفكر على نفسية الإنسان وسلوكه فيكون اليقين في الإيمان، ليتجرد الإنسان من كل إملاءات الدنيا ليسمو إلى هدف أعلى ألا وهو رجاء الله تعالى، وفي ذلك إيمان بغير ظلم. ذلك هو الأمن الحق.

وركون الضمير للاطمئنان بالإضافة إلى الشعور بأن الأمور ستؤول إلى وضع السلام والرخاء يمنح الإنسان شعوره بالأمن. أما من الناحية المقابلة فإن من أضاع الإيمان هو من ألبس علمه وفكره بظلم وحق عليه نعت جاهل لأنه رضي لنفسه أن يكون عبدا لأي شيء إلا الله تعالى، فأخلد لإله الهوى وتعصب وأصر على الباطل رغم أن التعارض بين العلم المحرف والعلم المتحقق واضح والتعارض بين ذلك العلم والفكر واضح أيضا، ولكن تمسكه به أسفر عن إلحاد باطن أو ظاهر كل ذلك يلقي انعكاسا خطيرا على فكر وسلوك كل من جعل ذلك منهجه، فيكون التطرف أو التعصب سلوكه ضد أي فكر وخلق يؤثر على منافعه، والقصد هنا أن تعصبه لا يكون دفاعا عن الفكر( فهو يكذبه يقينا) وإنما دفاع أعمى عن المصالح التي أضحت متعلقة بذلك الفكر. ونتيجة لهذا التعصب فإن هذا الشخص يكون قد ألغى فكره وسلوكه مع الأخرين أن يكونوا معه سواء في هذا الجهل، و إلا فإنه لن يغير فكره وإن أتيته بالحق والكتاب المبين.

والدراسة الفكرية أو الثقافية عبارة عن بحث شامل في كل عامل يؤثر أو يتأثر بالفكر، ذلك أن الفكر شبكة متصلة ومتداخلة لذلك فالباحث الفكري هو باحث نفسي كذلك، لأن الفكر هو نتاج تلاقي عدة مؤثرات بيئية ونفسية تحدد نوعية الفكر.

وهدف هذا الموقع أنه مجادلة على بينة للحق بالمنهج العلمي والفكري.
ولقد سبق لنا محاولة للإعلان عن كتاب " هذا خلق الله " في أحد المواقع الالكترونية، ولكن التطرف والتعصب دفع القائمين على ذلك الموقع للتهرب، ذلك أن الدعوة للحق لم ترق لمن اتبع هواه فتردى، مع العلم أن ذلك الموقع يتبنى كل فكر زائغ عن الحق ظاهر الفساد والعلة.


إن مثل من يدير ويقف وراء ذلك الفكر المتطرف ويرفض كل فكر مخالف وإن كان على حق هو مثل المسعور الذي ينسلخ من كل خلق قويم لأنه عرف العدل وأنكره، فجهل وظلم نفسه والآخرين.

قال تعالى: " وإذا أخذ ربك من بنى آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا لغافلين. أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون. وكذلك نفصل الآيات ولعلهم يرجعون. واتلوا عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين. ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله فاقصص القصص لعلهم يتفكرون. ساء مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون". الأعراف (172-177).

إن حكم الإنسان غالبا ما يكون سطحيا، وهي الوسيلة التي تيسر لضعاف النفوس الظهور بما يخالف الواقع. ولكن هناك أمور مهمة تتطلب من كل إنسان فكرا ودراسة متأنية وبالذات الأمور المتعلقة بالعقيدة. ولقصد نشر البحث العلمي والفكري( والله من وراء القصد) فإننا نسعى إلى إنشاء هذا الموقع وندعو كل مفكر وكاتب لطرح أي مساهمة فكرية أو علمية تساعد على نشر البعد العلمي والمعرفي دون أي مساس شخصي أو عقيدي.
قال تعالى: " ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له حتى إذا فزّع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلى الكبير. قل من يرزقكم من السماء والأرض قل الله وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين. قل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تعملون. قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم". سبأ(23-26).

أزمة الفكر البشري

يتأثر الفكر البشري بالعلم والثقافة، ويتغذى من رافدين فإما موروث أو مستحدث، المستحدث هو ما أنجز أو برز نتيجة للتطورات البيئية سواء كانت معرفية تخص العلوم وما يتعلق بها، فالاختراعات والاكتشافات تنشئ معارف جديدة، وكلما زادت هذه الاختراعات والاكتشافات تولدت معارف لم تكن معروفة وتغيرت وتطورت معارف أخرى.

إن التطور التقني وانتشار وسائل الاتصال في العصر الحاضر غيرت وأحلت نسقا اجتماعية واقتصادية وسياسية جديدة على بعض الثقافات، وطورت البعض الأخر.
كذلك قد تتأثر الثقافات المستحدثة من تطورات ظرفية وشخصية تخص المفكرين أنفسهم، فكثيرا ما تؤثر تجربة مفكر ما في أسلوب تفكيره فتفرض عليه أفكارا جديدة تناقض أو تدعم المفهوم الفكري السائد.
أما المفهوم الفكري الموروث فهو ما يكتسبه الإنسان من الثقافات السابقة أو هو التراكم العلمي والثقافي لأمة ما خلال العصور الماضية، وإرث الآباء والأجداد، ويمتاز بطابع الإقتداء وحب التمسك بالعادات والتقاليد. وغالبا ما يكون التنافر والاختلاف هو المسيطر على حالة الثقافات والفكر البشري بين ما هو موروث وما هو مستحدث. والمستثنى من ذلك يكون التغير فيه عميق.

طبعا هناك أمور ثقافية وعلمية معروفة ولكن درجة استيعاب الإنسان قد تختلف نتيجة توفر وسائل ومعدات جديدة، ومن أمثلة ذلك العلوم الطبيعية والكونية. والجدير بالذكر إن أعظم التعارض والاختلافات الفكرية تحدث بين العلوم والمعارف وبين العقائد الوضعية المتغيرة بطبيعتها والمحرفة لتخدم أغراض واضعيها، ويخلق ذلك أزمة فكرية، فهي محرفة لأنها تجهل الخلق والخالق وتكذب على الخالق وهي وضعية تعارض كل علم وفكر.

ويتفاقم الأمر سوءا لتلك الأزمات الفكرية مع تداخل تأثيرات أخرى مركبة من الميول والرغبات والظروف الخاصة، تصور الباطل حقا وتصدقه. والظروف الخاصة تعني التزامات فردية وجماعية تختلف حسب الفرد والجماعات فيها منافع معنوية ومادية شتى، وحتى نكون على بينة من التقديم السابق نورد المثال التالي(وهذا مثال وليس حصرا):-

تقول مقدمة العهد القديم: " إن مركز الكتاب المقدس بأسره هو الله السرمدي الكائن قبل أن ينشأ عالم أو تخلق الأفلاك أو تشكل الأكوان، يستهل العهد القديم أولى آياته بهذا النص :" في البدء خلق الله السماوات والأرض .." وهذا يعني أن الله موجود بديهيا ولا يحتاج وجوده إلى برهنة . وبناء عليه فإن الخليقة بكاملها تقع تحت سيادة هذا الخالق الأزلي الذي توج عمل يديه عندما خلق الإنسان على صورته ومثاله،وأقامه في جنة عدن، وسلطه على سائر الكائنات فكان الإنسان يتمتع بالحرية والطمأنينة والسلطة والرفاهية، فضلا عن علاقات حميمة مع الله."

ويفصل الكتاب المقدس كيفية بدء الخلق على النحو التالي:-

بدء الخلق:

1- في البدء خلق الله السماوات مشوشة ومقفرة وتكتنف الظلمة وجه المياه، وإذ كان روح الله يرفرف على سطح المياه.

اليوم الأول: النور
أمر الله: " ليكن نور" فصار نور، ورأى الله النور فاستحسنه وفصل بينه وبين الظلام. وسمّى الله النور نهارا، أما الظلام فسماه ليلا. وهكذا جاء مساء أعقبه صباح، فكان اليوم الأول.

اليوم الثاني: الجلد
ثم أمر الله:" ليكن جلد يحجز بين مياه ومياه" فخلق الله الجلد، وفرق بين المياه التي تحملها السحب والمياه التي تغمر الأرض. وهكذا كان. وسمّى الله الجلد سماء، ثم جاء مساء أعقبه صباح فكان اليوم الثاني.

اليوم الثالث: الأرض الجافة والخضروات
ثم أمر الله:" لتتجمع المياه التي تحت السماء إلى موضع واحد، ولتظهر اليابسة". وهكذا كان. وسمّى الله اليابسة أرضا والمياه المجتمعة بحارا. ورأى الله ذلك فاستحسنه. وأمر الله:" لتنبت الأرض عشبا وبقلا مبزرا وشجرا مثمرا فيه بزوره الذي ينتج ثمرا كجنسه في الأرض". وهكذا كان. فأنبتت الأرض كل الأرض كل نوع الأعشاب والبقول التي تحمل بزورا من جنسها، والأشجار التي تحمل أثمارا ذات بذور من جنسها. ورأى الله ذلك فاستحسنه. وجاء مساء أعقبه صباح فكان اليوم الثالث.

اليوم الرابع: القمر والنجوم
ثم أمر الله:" لتكن أنور في جلد السماء لتفرق بين النهار والليل فتكون علامات لتحديد أزمنة وأيام وسنين. وتكون أيضا أنوار في جلد السماء لتضيء الأرض". وهكذا كان. وخلق الله نورين عظيمين، النور الأكبر ليشرق في النهار والنور الأصغر ليضيء في الليل، كما خلق النجوم أيضا. وجعلها الله في جلد السماء لتضيء الأرض، لتتحكم بالنهار والليل ولتفرق بين النور والظلام. ورأى الله ذلك فاستحسنه. وجاء مساء أعقبه صباح فكان اليوم الرابع.

اليوم الخامس: الطيور والأسماك
ثم أمر الله:" لتزخر المياه بشتى الحيوانات الحية ولتحلق الطيور فوق الأرض عبر فضاء السماء" وهكذا خلق الله الحيوانات المائية الضخمة والكائنات الحية التي اكتظت بها المياه كلاّ حسب أجناسها، وأيضا الطيور وفقا أنواعها. ورأى الله ذلك فاستحسنه. وباركها الله قائلا: " أنتجي، وتكاثري واملإي مياه البحار. ولتتكاثر الطيور فوق الأرض". ثم جاء مساء أعقبه صباح فكان اليوم الخامس.

اليوم السادس:الحيوانات والإنسان
ثم أمر الله: " لتخرج الأرض كائنات حية، كلا حسب جنسه، من بهائم وزواحف ووحش وفقا لأنواعها" وهكذا كان. فخلق الله وحش الأرض، والبهائم والزواحف، كلا حسب نوعها ورأى الله ذلك فاستحسنه. ثم قال الله:" لنصنع الإنسان على صورتنا، كمثالنا، فيتسلط على سمك البحر، وعلى طير السماء، وعلى الأرض، وعلى كل زاحف يزحف عليها". فخلق الله الإنسان على صورته. على صورة الله خلقه. ذكرا وأنثى خلقهم. وباركهم الله قائلا لهم:" أثمروا وتكاثروا واملأوا الأرض وأخضعوها. وتسلطوا على سمك البحر، وعلى طير السماء، وعلى كل حيوان يتحرك على الأرض". ثم قال لهم: " إني قد أعطيتكم كل أصناف البقول المبزرة المنتشرة على كل سطح الأرض، وكل شجر مثمر مبزر، لتكون لكم طعاما. أما العشب الأخضر فقد جعلته طعاما لكل من وحوش الأرض وطيور السماء والحيوانات الزاحفة، ولكل ما فيه نسمة حياة". وهكذا كان.
ورأى الله ما خلقه فاستحسنه جدا. ثم جاء مساء أعقبه صباح فكان اليوم السادس.

اليوم السابع: يوم الراحة
2- وهكذا اكتملت السماوات والأرض بكل ما فيها. وفي اليوم السابع أتم الله عمله الذي قام به، فاستراح فيه من جميع ما عمله. وبارك الله اليوم السابع وقدسه لأنه استراح فيه من جميع الخلق، هذا وصف مبدئي للسماوات والأرض يوم خلقها الرب الإله".

هذا التفصيل ببدء خلق السماوات والأرض غير واضح فما هي الأرض المشوشة والمقفرة، وما الفرق بينها وبين الأرض الجافة، لقد تم تلقيح وتحريف هذا الكتاب لعله يتم تلافي ما حرف سابقا، فلو ذكرنا الترتيب الوارد في هذا الكتاب كما يلي:- »اليوم الأول خلق الله النور، وذلك غير صحيح لأن الليل والنهار يكون نتيجة دوران الأرض حول نفسها ودورانها حول الشمس.
»في اليوم الثاني خلق الجلد، ما هو الجلد الذي يحجز ماء عن ماء فالسماء ليست جلد، هي غاز ولا يوجد فرق بين المياه التي تحملها السحب والمياه التي تغمر الأرض، فالمياه العذبة أصلها السحب، وجلدة السماء الزرقاء التي كانت حسب اعتقادهم سكنا للخالق والملائكة لها أثر كبير في تكذيب أعداد كبيرة من المفكرين والعلماء للكتاب المقدس وارتيابهم حتى في الخالق.
اليوم الثالث: الأرض الجافة والخضروات وفي اليوم السابع بعد تمام الخلق نمت الزروع والأعشاب وهذا تحريف واضح لتلافي التحريف السابق. وهذا غير صحيح فالعلم قدر عمر المجموعة الشمسية بـ 4.5 مليار سنة تقريبا بينما قدر عمر الكون من 13- 15 مليار سنة تقريبا. كل هذا التعارض لا يغيب عن العاقل، بل إن التعارض التالي فيه كذب على الله تعالى، فكيف يكون خالق أزلي ويستريح في اليوم السابع، وهذا جهل في قدر الله تعالى، فالأزلي أو السرمدي لا يموت ولا يزول ولا يتعب ولا يجوع، هو موجود قبل الوجود، وأعظم من الخلق وليس كمثله شيء، بينما الإنسان خلق على شكله ولم يكن خلق آخر وتطور، فالله تعالى أحسن صورة آدم عليه السلام فبدأ خلقه إنسانا ولم يخلقه حيوانا فتطور حتى أصبح إنسانا، فحاشا أن يكون شكله على مثل الخالق سبحانه وتعالى عما يصفون قال تعالى: " الله الذي جعل لكم الأرض قراراً والسماء بناءاً وصوركم فأحسن صوركم ورزقكم من الطيبات ذلكم الله ربكم فتبارك الله رب العالمين" غافر (64). ورغم التغيرات والتحريفات الدورية لتلافي الأخطاء إلا أن ذلك لا يغيب عن كل عقل له ذرة من الوعي فالأمر بالإضافة أنه عقيدة هو مصالح ومنافع وظروف خاصة وعامة لها قدرة كبيرة في السيطرة وإخضاع وتحديد الفكر، بل إن الأمر أكثر سواء من ذلك، كثيرا ما ادعت هذه الفاعليات بالباطل وصدقته.(1)
قال تعالى: " أم آتيناهم كتابا من قبله فهم به مستمسكون. بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون. وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون. قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون" الزخرف(21-24).
مترفوها: هم أصحاب المصالح والمنافع الذين استفادوا وبرعوا في استغلال الوضع المنحرف ( ويبغونها عوجا ).

هذه بعض الظروف والتي ما انفكت تلقي بظلالها على الفكر، وكما ذكرنا سابقا
فبالإضافة إلى العامل الظرفي الخاص بكل مفكر على حدة وكل جماعة.فإن المؤثرات المادية والمعنوية هي التي تصوغ الفكر وتشكله وبالتالي وهذا كله يشكل أزمة فكرية ظاهرة ومستترة( والمستترة تعني اقتناعا نفسيا أن ذلك كذب وريبة في كل شيء)

إن تجرد الأحكام والقرارات من الميول والأهواء هو العدل (أسمى الفضائل الإنسانية)، يظل هذا التوجه في البيئة البشرية السابقة محدودا، فوجود الفرد ضمن جماعة يفرض عليه الالتزام بمفهوم العدل السائد لتلك الجماعة، وقد تتغلب عليه المفاهيم الشكلية أو الدستورية والأهواء العامة، ففي بعض الدول والتي قطعت شوطا في التقدم الثقافي والحضاري لازالت تشرع دستورا يرفض وجود الخالق الأزلي، وتعاضد الأسباب وتفاقمها للإيقاع بالفكر لا يعني أن سبل العلم ووسائله لا تثني الفكر السليم نحو الهدى والحق، فأما من اتبع الشهوات ووقع في براثن الجهل ( وهو المتفشي ) ومخلفات الفكر الفاسد من ثقافات بالية عاجزة أمام التحديات العلمية( وظن في نفسه الظنون) قال أنه لا يزال مترددا في قبول فكرة الإله أو الخالق، وحتى لا ننساق بالعبارات، فإن الأمر يقتضي التمييز للتعرف على مفردات الفكر وهي: الفكرة، فالنظرية، فالحقيقة وعلاقة كل ذلك بالحق.

الحمد لله رب العالمين الذي هدى الناس النجدين، وليس بعد الحق إلا الضلال المبين، قال تعالى: " بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون" الأنبياء(18).

الفكر هو نشاط عقلي مستمر يرتبط بالكائنات الحية الذكية، وهو دليل أهليتها ووجودها في وضع مميز بين الكائنات، والاستمرار يعني التراكم الثقافي والعلمي لتحقيق إدراك ومستوى معيشي وفكري أفضل، فالإنسان هو أكثر المخلوقات نشاطا عقليا على الأقل في العالم المشاهد أو المحسوس، وذلك لم يكن هباءاً فالتأهيل الفكري تزامن مع تسخير ما في السماوات والأرض قال تعالى: "ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير" لقمان (20).
فالسماوات والأرض مسخرات للإنسان وغيره من الكائنات الحية والله تعالى أتم النعم على الإنسان فمنها ما هو ظاهر مثل النعم الحسية والحركية أو جميع الوسائل التي يدرك بها الإنسان البيئة ويتكيف معها. ولكن كيفية التكيف والاستجابة لهذه البيئة هي من النعم الباطنة أو الظاهرة وتختلف من إنسان لآخر بناءا على مكتسباته العلمية والفكرية . وعلى أثر تلك المكتسبات يكون الإيمان فالأمن والهدى وتلك من النعم الباطنة ولم يكن ذلك باطلا، فلا يعقل أن يكون الخلق والإبداع عبثا أو دون هدف، ذلك ظن الذين لا يعلمون، فلكل شيء سبب وللخلق هدف وهو عظيم، قال تعالى:" أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون" المؤمنون (115).
فلو ضربنا مثلا (ولله المثل الأعلى) إن نظاما معينا أتقن عمله وزود بتقنيات رفيعة تغني عما سواها، فهل يعقل أن يوجد هذا النظام هباءاً؟! وهل يعقل أن هذا النظام أوجد نفسه بنفسه، قال تعالى: " أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون. أم خلقوا السماوات والأرض بل لا يوقنون"الطور(35-36).
كلا إن درجة الإتقان تدل على المبدع أو الخالق، وكلما زاد النظام إبداعا ودقة زادت معه المعرفة بالمبدع والخالق. وأكثرهم علما ودراية في تحديد هدف النظام هو المبدع أو الخالق، كل ذلك في ظل توفر الإمكانيات والمواد الأساسية، فإذا كان الخلق من العدم فإن الخالق أو المبدع هو فقط الذي يضع ويحدد السبب والهدف ويعلم كل شاردة وواردة، وما تخفي الصدور، قال تعالى: " قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد. قل ما أسألكم من أجر فهو لكم إن أجري إلا على الله وهو على كل شيء شهيد". سبأ(46-47). يأمر الله تعالى النبي صلى الله عليه وسلم بأن يعظ الناس بفكرة واحدة ( في أسلوب بيان وتحدي وصيغة إعجاز) أن يتخذوا أسلوب الفكر السليم منهجا فرادى وجماعات ليتفكروا في خلق الله تعالى وقدرته، وأن ما أتى به النبي صلى الله عليه وسلم ليس هراء أو جنونا إنما يسر بلسانه لينذر من عذاب شديد.
فالله تعالى هدى الإنسان سبل الحق والرشاد وأمره بالعدل وفي ذلك تقوى الله وطاعته. والظلم في السياق الفكري هو ظلم النفس، فالإنسان يضر نفسه ويظلمها إن تجاهل الحقيقة فهو أكثر ظلما إذا نسي أو تجاهل الحق، وأما جزاء النبي صلى الله عليه وسلم فعلى الله وهو على كل شيء شهيد.

أما الفكرة فهي ناتج الفكر أو وحدة جزئية من الفكر وتخص شيئا محددا كان أسلوبا أو تصورا أو مفهوما أو هي افتراض عقلي يحتمل الصواب والخطأ وتكون عرضة للتغير حسب الشخص والمعطيات. فإذا كان أسلوب فكريا فهي تحديد وسائل معينة تستخدم لإنجاز عمل محدد يحقق هدفا حدد أو عرف سابقا، وقد يتضمن ذلك فعلا حركيا، وبشكل عام هي أسلوب أو سلوك اجتماعي يحقق غاية معينة سواء كانت اقتصادية أو سياسية أو حتى أخلاقية أو حضارية، فهي وحدة جزئية من الفكر وتخص جانبا أو فرع من الفكر الإنساني.

ولكل أسلوب وسلوك حافز ويمكن تصنيف هذه الحوافز ضمن صنفين هما:-
الحافز المادي: ويلقي هذا الحافز تأثيراً على الفكر البشري فكل فرد يسعى لسد رغباته الاستهلاكية أو الكمالية ضمن أسلوب معين.
والرغبات المادية عند كل الكائنات الحية ولكن هي أكثر رشدا عند الإنسان, ذلك أنها ترتبط بالفكر، وعندما تفقد هذا الارتباط فإنها تفقد كل ارتباط لها بالوازع الإنساني والخلقي، فتصبح رغبة حيوانية جامحة تستبيح كل وسيلة في سبيل الغاية وتتسلط بالظلم والفساد وسفك الدماء. الحافز المعنوي: ويكون لهذا الحافز ارتباط نفسي وثيق ولكن لها تأثيرا ثانويا على الفكر البشري، ذلك أن رغباته معنوية.
ويكون للوازع الإنساني والأخلاقي أثر كبير في النهوض بالحافز المعنوي وأعظم ما يجمع هذه الحوافز ضمن هدف أسمى هو العقيدة ورضا الله تعالى.فإذا كانت العقيدة مبهمة أو غير واضحة ومرجعها زائف ويناقض كل فكر وعلم كانت الأزمة الفكرية، فإذا كانت العقيدة على بينة وعظمت الخالق ووقرته، فإن الوازع فكري، وقد حاجّ الله تعالى به الملائكة قال تعالى: " وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون. وعلّم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين. قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم. قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما تكتمون" البقرة (30- 33).
إن قدرة التعلم والتمييز بين الحق والباطل هي خاصية الفكر ومن ألغاها لا فائدة ترجى من عقله.

والفكرة تصور عقلي لشيء ما قبل وقوعه في مجال النظر، فأي ظن أو تصور إنساني يعكس تقديرا لشيء ما قبل أن يرى، ولكن عند التعيين يكون قد استبدل الظن باليقين، والفكرة كمفهوم هي استيعاب أو استدراك عمل تفصيلي أو شمولي لنظام أو فعل ما ومحاولة تفسيره. وكل تفسير أو تحليل يُعنى بالسبب هو دراسة فلسفية، أما الدراسة التي تُعنى بالكيف فهي دراسة علمية.
وجميع أصناف الفكرة أعلاه تختلف حتى للفرد نفسه من وسط لأخر، ناهيك عن الاختلاف من فرد لآخر تبعا لاختلاف المستوى التعليمي والثقافي أو المعنوي، كذلك فإن المستوى المادي أو المعيشي له تأثير على الفرد والجماعة. وعند التطرق لتحديد المقصود بالعبارة السابقة( فكرة الإله أو الخالق) فإنها تشير إلى تصور عقلي يضع الخالق أو الإله في احتمال الوجود من عدمه.
وتبعا للنشاط العقلي المرتبط بالفكرة فإنه يصنف في مرتبة أدنى من النظرية الفكرية وأشمل في نطاق التطبيق.

النظرية الفكرية: محط فترة زمنية أطول للنظر والإدراك وترتيب سلسلة من الأفكار والتطبيقات التي توظف في عملية مدروسة النتائج ويتوقع حدوثها فكريا.
والنظرية العلمية: هي أقرب للحقيقة، فكلما تحدد الوصول للنتائج وكان لازماً أصبحت النظرية حقيقة. وعلى أثر ذلك فإن صاحب المذهب أو العقيدة والذي اقتنع بها ( وقد يكون الاقتناع مبنيا على مصالح ذاتية ) ويحاول أن يحث الآخرين للقبول بهذه العقيدة بدافع معنوي ( عاطفي ) أو مادي دون الاكتراث بها علميا أو فكرياَ.

فالعقيدة- إذا لم تكن في الله تعالى- أو المذهب تقوم على فكر تسيطر عليه الأهواء والرغبات، وإن تأسس على مصدر سليم بالدعوة للحق إلا أنه حرف فأصبح يدعو إلى غيره. قال تعالى: " ولو أتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون". المؤمنون(71).

فعلوم السماوات والأرض(الخلق) هي حقائق بينة تتعارض مع الانحرافات والمغالطات التي تتضمنها مذاهبهم ويلجأ هؤلاء للتركيز على الجوانب العاطفية والمادية والابتعاد عن الحقائق التي تفضح ما آمنوا به وسعوا فيه تحقيقا لمصالحهم التي استهوتها أنفسهم، كل ذلك ظلم للنفس وللغير، فالعدل أن تقر بالحق وإن خالف ما تهوى، فالفشل والغلبة جزاء من اتخذ من الكذب منهجا، والله أتبع خلق السماوات والأرض في الذكر بياناً فأبوا إلا إعراضاً.

الحقيقة: الحادثة أو الظاهرة المتحققة زمانيا ومكانيا والثابتة نظريا أو مخبريا. فإذا كانت ثابتة بالعين المجردة أو بالأدوات النظرية المساعدة فإنها حقيقة مشاهدة معينة الزمان والمكان، وهي حقيقة مخبرية إذا أمكن التأكد منها تجريبيا أو مخبريا. وبتعيين الزمان والمكان تعرف الحقيقة، ولذلك كان ارتباط أي حقيقة بالمجال المنظور من الكون هو المجال الذي عُرف زمانا ومكانا.
والحقائق التاريخية تعرف بالأثر والعلم، فإذا لم يكن ذلك ولم تّعرف زمانا ومكانا فقد تتداخل مع القصص الخرافية وغالبا ما يركز عليها أصحاب المذاهب والعقائد المحرفة والمبتدعة.

كل حقيقة يجب أن تعين زمانا ومكانا في الكون حتى تعرف، فالجاذبية وهي حقيقة علمية تحدد في جميع أطراف الكون(السماء الدنيا) فهي على سطح الأرض أو بين الأجرام السماوية ترتبط زمانا بالكون أو ببداية حركة المواد الصلبة وتضخم الكون، وللجاذبية دور رئيسي للمحافظة على الوحدة البنائية للكون المتضخم(توسع السماء ). فالجاذبية على سطح الأرض المقدرة(هي قوة جذب جسم سقط حراً نحو الأرض) قال تعالى( كل شيء خلقناه بقدر) القمر(49).

فإن هذه الجاذبية تسمح للكائنات الحية المختلفة بالحركة والاستقرار على سطح الأرض، فلو كانت الجاذبية شديدة فإن الكائنات الحية لن تستطيع الحركة على سطح الأرض أما إذا كانت ضعيفة فإن هذه الكائنات لن تستطيع الاستقرار والثبات عليها،
كذلك فإن الجاذبية الأرضية تمسك الغلاف الجوي المحيط بالأرض والذي يتكون من عدة غازات ضرورية للحياة على سطح الأرض، وهي لا تعيق السحب من التجوال، والتي تؤدي دورا رئيسيا في التوازن المائي ولها أثر مباشر في مصادر المياه العذبة.

وللغلاف الجوي المحيط بالأرض دور في حماية الأحياء على الأرض من الأشعة الخطرة (الأشعة السينية وفوق البنفسجية ) كذلك فإن هذا الغلاف يصد الأجسام والجزيئات الفضائية الخطرة المندفعة نحو الأرض. (2).

أما الجاذبية على سطح القمر فإنها أقل من مثيلاتها على سطح الأرض وهي مختلفة بين الأجرام السماوية، الكواكب والنجوم حسب التركيب والحجم والمسافة الفاصلة بينها.

أما الجاذبية بين المجرات في الوسط الفضائي الكوني فإنها تهمش نسبيا لأن السماء تتوسع، فالسماء الدنيا ( الكون ) تتوسع مما يزيد المسافات الفاصلة بين المجرات، ولكن حركة التوسع تأخذ شكلا منحنيا بسبب الجاذبية بين المواد الصلبة (المجرات).
وإحدى أهم الحقائق المشاهدة "الشمس" والتي تكمل الحقائق السابقة فهي مثل أي نجم أخر في السماء. وكل هذه الحقائق ضرورية لتحقيق معادلة تسخير ما في السماوات والأرض للإنسان.
قال تعالى: " ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات والأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى و لا كتاب منير" لقمان(20).

فالكون (السماء الدنيا) وما ضم هو حادث حتى الزمان والمكان اللذان ارتبطا بوجود الكون هما حقائق حادثة، فلابد لمن أوجد الكون أو خلقه أن يسبق وجود الكون وأن يكون خارج نطاق الزمان والمكان اللذين ارتبطا بوجود الكون وعند ذلك فإن ذات الخالق تكون أزلية تخالف ذات الكون الحادثة، فالأزلي هو الله " أحد أحد" وكل البقية مخلوقة زائلة.
قال تعالى: " كل شيء هالك إلا وجهه ". فالأزلي لا يخلق ولا يزول ولا يموت ولا يتعب و لا يتغير، هو الحق، فاجتماع الاسم والصفة في الحق لا يكون إلا لله تعالي. هو موجود قبل الوجود، ولا يكون خلق ولا وجود إلا به، ذلك أن الخلق لابد له من خالق (أوجده من العدم ) فالخلق لا يخلق نفسه والعدم لا يخلق.
قال تعالى: " أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون. أم خلقوا السماوات والأرض بل لا يوقنون" الطور (35-36).

الله الواحد الأزلي الحق القوي الذي ليس بقوته أحد فالخالق أوحى لكل خلق بقوة وأمر، والعلم عرف استقرار الكون بقوتين متعاكستين، فتوسع السماء يحد من قوة التجاذب بين المواد الصلبة. فلو ألغت إحدى القوتين الأخرى لما تماسكت السماء الدنيا(الكون) وانهارت الوحدة البنائية. فإذا ضعفت قوة التجاذب بين المواد الصلبة لأصبح الكون مفتوحا، أما إذا ضعفت قوة التوسع فإن الكون سيعود إلى التقلص والانكماش. وبروز أي قوة أعظم في مجال القوتين سيدمر علاقة التوازن ويحيل الكون هباءاً منثوراً.
قال تعالى:" ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز". الحج (74).
فأي قوة أدركها أو تصورها الإنسان في مخيلته هي قوة حادثة أو غير أزلية، والله تعالى هو القوي الأزلي فلا خلق يحتمل قوة وعظمة الله الخالق الأزلي.
الشمس تضيء نتيجة للتفاعلات النووية في المركز، وعند نفاد الوقود فإنها ستتحول إلى حالة أخرى أو قد تنفجر مخلفة بقايا نجم هالك. والشمس نجم متوسط الحجم ( قد يصل حجم بعض النجوم مائه مرة حجم الشمس، يوجد حوالي ملياري نجم في مجرة درب التبانة).

تبعد الشمس عن الأرض 8 دقائق ضوئية (93 مليون ميل) ويصل حوالي نصف أشعة الشمس إلى الأرض بعد ما تنقى بواسطة الغلاف الجوي، فيتم التخلص من الأشعة الضارة، كذلك يساعد هذا الغلاف على انتشار أشعة الشمس في الجزء المقابل للشمس من الأرض، ورغم كل ذلك فإن نظر الإنسان المباشر للشمس يتسبب في تلف العين. والشمس وباقي النجوم والمجرات لا تنير إلا جزءا صغيرا من السماء الدنيا أو الكون( مع وجود بعض النجوم التي تضيء 100 ألف مرة قدر إضاءة الشمس)، والسماء الدنيا مع الأرض التابعة لها(الكون) هي أدنى وأصغر السماوات السبع، وكل منها يتبعه أرض، وكل هذه الإضاءة محدودة زمانا ومكانا والله تعالى نور السماوات والأرض الأزلي، حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه.

إن مثل الأرض جميعا في كل الخلق (السماوات السبع) هي قبضة الخالق تعالى بل إن السماوات جميعا مطويات بيمينه قال تعالى: " وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون" الزمر (67).
علم الإنسان محدود رغم التراكم المعرفي والعلمي فإن علمه يظل محصورا بجزء من الكون أو السماء الدنيا، بل إن علم الإنسان في ذاته يظل محدودا، ولذلك فإن علومه في كلتا الحالتين تتجدد بين الحين والآخر، قال تعالى: " سنريهم آياتنا في الأفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد" فصلت (53).

إن الإنسان سيتمكن من النفاذ إلى الآفاق ويتعرف عليها، كذلك سيتعرف على تركيبة جسمه، وسيدرك العاقل أن ذلك ليس هباء بل هو قدرة الله تعالى، وإبداعه في خلقه، وكل ما تمكن الإنسان من معرفته وما سيصل إليه من اكتشافاته ما هو إلا جزء من خلق الله تعالى، والله تعالى وحده أعلم بخلقه، قال تعالى: " وما تكون في شأن وما تتلوا منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين"يونس(61).

الله يعلم والخلق لا تعلم من علمه شيئا إلا ما أراد هو ليبين لهم بدائع صنعه وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة ولا أصغر من ذلك ولا اكبر في السماوات والأرض ولا في أنفسهم إلا يعلمها الله، وذلك الشيء أكيد وبيّن، ذلك أن الله تعالى هو الخالق من العدم، قال تعالى: " وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور. ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير" الملك(13-14).
الله أعلم بالخلق وبأي سبيل يميز لهم الحق ويدعوهم إليه وهو بهم لطيف خبير، قال تعالى: " إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعملون إنه عليم بذات الصدور". الزمر(7).

آمنت الناس أو كفرت لن تنفع الله بشيء وهو سبحانه لا يرضى لعباده الكفر، ذلك أن الكفر يكون باختيار الإنسان والله تعالى لا يرضاه للناس رحمة بهم، وإن تشكروا يرضه لكم، وكل إنسان بما عمل وأضمر رهينة ولن تحاسبوا بما فعل الظالمون، وحتى لا يكون للناس حجة على الله بعد الرسل بعث الله تعالى الرسل وآزرهم بالحق، قال تعالى: " ثم أرسلنا رسلنا تترا كل ما جاء أمة رسولها كذبوه فأتبعنا بعضهم بعضا وجعلناهم أحاديث فبعدا لقوم لا يؤمنون" المؤمنون(44).
وشاء الله تعالى أن يختم عهد الرسل بمحمد صلى الله عليه وسلم وأنزل عليه رسالة للخلق والتي أقامت سبيل الهداية وتكفل تعالى بحفظها فقال تعالى: " إنا نزلنا الذكر وإنا له لحافظون". الحجر(9).

القرآن الكريم كتاب علم وفكر وحصرا سبيل للهدى والتقوى، وحفظ كتاب بهذا المفهوم العظيم ليس من قدرة الخلق أيا كانوا وذلك للأسباب التالية:-
قال تعالى: " قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين.وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ولدار الآخرة خير للذين اتقوا أفلا تعقلون. حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كُذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين. لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون" يوسف(108-111).

أقام القرآن البينة على الخلق بعد انقطاع الرسل، هو كلام الله الذي لا يأتيه الباطل فيما أورد من قصص الأمم السابقة، وهو دعوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ودعوة الرسل أجمعين، ودعوة من اتبع الحق، هذه سبيلي ادعوا إلى لله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين.

أسلوب القرآن ليس بأسلوب مخلوق، فالمتحدث هو الله تعالى يخاطب الخلق مباشرة في هذا الكتاب، قال تعالى: " قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا. ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل فأبى أكثر الناس إلا كفورا" الإسراء (88-89).

هذا الأسلوب أعطى القرآن مناعة في ذات الحرف والكلمة، وحفظ المضمون الفكري والعلمي، هذا كلام الله العلي القدير، فإذا كان أمره تعالى للرسول صلى الله عليه وسلم ومن اتبعه في مخاطبة الناس كان أسلوب الأمر " قل" قل هذه سبيلي، " أو "قولوا للناس حسنا ". حتى إذا أراد الله أن يفضح الكفار فإنه يرجع الكلام لهم " وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون " فصّلت (26).

ولهذا الأسلوب أثر عظيم في مخاطبة الخلق، فإن المؤمن إذا سمع وأصغى لكلام الله، أدرك أن المخاطب هو، والدعوة توجه له شخصيا، ومن ارتاب وكفر يدرك أنه في الذكر مفضوح، ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين، وليقيم الحجة وينذر الذين لا يؤمنون، قال تعالى: " تنزيل من الرحمن الرحيم. كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون. بشيرا ونذيرا فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون. وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب فاعمل إننا عاملون" فصلت (2-5).
قال تعالى: " لقد أنزلنا إليكم آيات مبينات ومثلا من الذين خلو من قبلكم وموعظة للمتقين " النور (34).
القرآن الكريم آيات بيّنات للفكر , ومثل للذين خلوا , وموعظة لمن آمن بالله واليوم الآخر، أما من أنكر وكذب بالحق وكذب بسنن الله في خلقه من رسل وقدرته في الخلق وإعادة الخلق من جديد فلا فائدة ترجى منه والله غني حميد، قال تعالى: " لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة يفصل بينكم والله بما تعملون بصير. قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذا قالوا لقومهم إنا برءآؤ منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير. ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم. قد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الأخر ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد. " الممتحنة(3-6).

قال تعالى: " لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الأخر وذكر الله كثير" الأحزاب(21).
إن الرغبة في أتباع الرسل والاقتداء بهم هي ليست رغبة شخصية ولا إرث الأجداد وإنما هي رغبة من الناس لأنفسهم لإدراك رضا الله تعالى والاتقاء في اليوم الأخر حينما يحاسب الناس على ما اقترفوا في دار الابتلاء والاختبار، فالله تعالى دعا الناس إن كانوا يريدون رضا الله واليوم الأخر الاقتداء بالرسل وكان ربطه تعالى بين رضاه وجزاء اليوم الأخر بقصد إعلام الناس وتذكيرهم أن الخلق ليس عبثا فلا بد أن يأتي اليوم الآخر، وتأكيدا على قدرته تعالى.

لكن كيف كان الناس من الإيمان باليوم الآخر؟ لا يزال الناس في شك مريب، ولقد قالوا: " أءذا متنا وكنا ترابا وعظاما أءنا لمبعوثون لقد وعدنا هذا نحن وآبائنا من قبل إن هذا إلا أساطير الأولين" نعم لقد وعد الأولين و الآخرين وإنه للحق لو كنتم تعلمون، قال تعالى: " سنريهم آياتنا في الأفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد " فصلت (53).

لقد سيطر الاعتقاد الإغريقي المادي على الفكر البشري لزمن طويل، وهو لا يزال كذلك عند من جهل(وغابت عنه حقيقة الخلق)، ومضمون هذا الاعتقاد أن العالم أو الكون أزلي، فإذا كان كذلك كما زعموا فإن الكون ثابت وغير متغير وكل حقيقة ترتبط به هي كذلك، وحين يكون أزليا فإنه لا بداية له ولا نهاية، وبالتالي يصعب على من اقتنع بذلك أن يدرك أنه هناك يوما آخر، بالإضافة لتفشي مبدأ عدم الأخذ بالسببية، وذلك يرتبط بما ذكر سابقا، أي ليس للخلق سبب، كل ذلك يعمق (يعزز) الاعتقاد بصعوبة استيعاب الإيمان باليوم الآخر، ولكن تقدم العلوم واستدراك الخلق في الآفاق أو في الأنفس، لدليل على قدرة الخالق سبحانه وتعالى، إن الله تعالى في القرآن الكريم يخاطب الخلق " أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد. ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد " ق (15-16). فأي خلق معلوم لله حتى ما توسوس به نفس الإنسان، ذلك أن تلك الميزة أو الخاصية تمت بأمر الله وأبدع صنعه في خلقه، وهو يعلم بها ويعلم كيف ستستخدم. لم يعي الله بالخلق الأول، ولو كان كما زعموا استراح في اليوم السابع لما كان أي خلق ولا كانت الاستمرارية و الكيفية في أي خلق بل وما كانت بدعة الصنعة في الخلق والتي أعطت لكل خلق بداية ونهاية وهي سنة الله في خلقه، فالخلق الأول كان من العدم، فكان الزمان والمكان وحيث كل ذلك حادث فإن الخالق واجب الوجود أزلي والأزلي لا يتعب ولا يستريح.

لم يعيّ الخالق بالخلق الأول ولا يصعب عليه إعادة الخلق مرة أخرى و إلا لما كانت الاستمرارية والكيفية للخلق " السماوات والأرض" وتسخيرهما للإنسان. فالله تعالى سخر السماوات والأرض وما فيهن للإنسان ولولا ذلك لانقضى الخلق الأول ولم يحيّ الإنسان، فلا يوجد سبب في استمرار تضخم الكون " توسع السماء الدنيا" لولا أمر الله، كذلك لا يوجد سبب لمجرة درب التبانة والشمس والقمر أو الأرض بالاستمرار بالكيفية المحددة في نظام متوازن دون تفريط أو إفراط لولا أمر الله تعالى، فكل شيء مخلوق بقدر. مثلا ما الذي يمنع تعرض مجرة درب التبانة والشمس والقمر أو الأرض منذ بلايين السنين لأي حادث يزيلهن كما أُزيل كثير من المجرات والنجوم والكواكب، نعم هو أمر الله تعالى.(3)

قال تعالى: " إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولين زالتا إن أمسكاهما من أحد من بعده إنه كان حليما غفورا". فاطر(41). سبحانه وتعالى ما أكبر حلمه وأعظم شأنه، كل ذلك من خلق الله وغيره كثير، وكل شيء بقدر محتوم ولله في خلقه شئون.

وبأمر الله تعالى سيعيد الخلق للعدم " يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب كما بدأنا أول خلق نعيده وعداً علينا إنا كنا فاعلين " الأنبياء (104).

وحتى تعي ذلك لابد أن تعرف معنى الخلق من العدم، ويوم يبدل المكان من أرض وسماء سيعيد الله تعالى الخلق ليعلموا أن وعده حق.

قال تعالى: " يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار. وترى المجرمين يومئذ مقرنين في الأصفاد. سرابيلهم من قطران وتغشى وجوهم النار. ليجزي الله كل نفس ما كسبت إن الله سريع الحساب هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر أولو الألباب" إبراهيم(48-52).

القرآن الكريم ليس بافتراء على الخالق، بل هو كتاب فكر وبلاغ للناس، ولم يكن ليأتي بهذا الكتاب إلا من علم السر في السماوات والأرض، قال تعالى: " وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين. أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين. بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله كذلك كذب الذين من قبلهم فأنظر كيف كان عاقبة الظالمين. ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به وربك أعلم بالمفسدين. وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا برئ مما تعملون. ومنهم من يستمعون إليك أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون. ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدي العمّي ولوكا نوا لا يبصرون. إن الله لا يظلم الناس شيء ولكن الناس أنفسهم يظلمون. ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا ساعة من النهار يتعارفون بينهم قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله وما كانوا مهتدين" ونس(37-45).

إن مثل البينات السابقة للقرآن الكريم مثل واضح لما يصيب الكتب المقدسة من تغير وانحرافات تمس الفكر والعقيدة نزولا عند أهواء الناس، فكانت المحصلة أفكار عوجاء(عاجزة عن إيجاد المنهج السليم للحياة البشرية المتغيرة) منحرفة تخالف الفكر والثقافة العلمية، قال تعالى: " قل يا أهل الكتاب لما تكفرون بآيات الله والله شهيد على ما تعملون. قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا وأنتم شهداء وما الله بغافل عما تعملون" ال عمران(98-99).

إن حفظ القرآن الكريم فكريا وعلميا وحتى نصا وحرفا منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم لهو ضرب من الإعجاز لا يتأتى لمخلوق رغم ما مرت به الشعوب الإسلامية من اختلافات وفرق شتى، لقد نسوا الله فأنساهم أنفسهم. قال تعالى: "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون. و لا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون" الحشر(18-19).

الله يدعو للإيمان وتقوى الله , والتأكيد علي التقوى، لتعرف كل نفس ما قدمت لليوم الآخر، فالله خبير بهم ويعلم ما سيكون في أنفسهم إذا تركوا الإيمان.
قال تعالى: " وإن ربك لهو العزيز الرحيم. وإنه لتنزيل رب العالمين. نزل به الروح الأمين. على قلبك لتكون من المنذرين. بلسان عربي مبين. وإنه لفي زبر الأولين. أولم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل. ولو نزلناه على بعض الأعجمين. فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين. كذلك سلكناه في قلوب المجرمين. لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم. فيأتيهم بغتة وهم لا يشعرون. فيقولوا هل نحن منظرون. أفبعذابنا يستعجلون. الشعراء(191-204). فالقرآن الكريم كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من ورائه أي من التاريخ الماضي أو فيما سرد من قصص الأولين ولا يكون علم وفكر ورد في القرآن الكريم إلا موافقا لعلوم العصر بل إن علوم الخلق التي سيأتي بها المستقبل لن تعارض خطاب القرآن الكريم، فالتراكم المعرفي والانتشار العلمي أعطى زخما وأبعادا جديدة غير مسبوقة للفكر والعلم البشري، ولكن أن تأتي جميع المعطيات الفكرية والعلمية الحقة في سياق كتاب أًنزل منذ ما يربوا على 1400 عام لأمر مستحيل، ليس هناك كتاب بهذا المعني إلا القرآن الكريم، في آيات وكلمات وأحرف هذا الكتاب وزن لعلوم الخلق وصفات الخالق، لا يفقها إلا العالمون، وإنه لفي كتب الأولين، والله تعالى يخاطب علماء بني إسرائيل أن هذا الكتاب آية لكم، فما أنتم فاعلون؟ قال تعالى: " وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير" الملك (14).

إن الله أعطى الإنسان العقل وسخر له ما في السماوات والأرض ومن هنا تمكن من التعلم والاجتهاد لتحقيق منافع باستغلال البيئة وتميز الحق من الباطل لينظر الله كيف هم عاملون، فمن التبس عليه الأمر فلا فائدة ترجى من عقله وعلمه. " كذلك سلكناه في قلوب المجرمين. لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم " الشعراء(200-201).
قال تعالى " ولا يأتوك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا " الفرقان(33).
القرآن الكريم هو المضمون الفكري ( علم وهدى ) للرد على كل متكبر لا يؤمن بالله واليوم الآخر، وما كان لأحد أن يكذب على الله تعالى والذكر موجود، وهذا باب الجهاد والاجتهاد.
فلا تزال أكثر الناس تحكم بالمصالح والفوائد الآنية بعيدة عن الإيمان بالله واليوم الأخر، ودفاعا عن تلك الأهواء والمصالح فإنها لا ترضى بالحق بل وتلقي بالتهم لأي فكر أو علم يدعو للحق وهذا ما كان مع الرسل صلوات الله عليهم، والله تعالى أخبر عن ذلك حين قال: " لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور" ال عمران (186).

اللهم أيد بكلمة التقوى أمرنا وبالصبر تقوانا، فأنت حسبنا ونعم الوكيل. وضرب الله من كل مثل في هذا القرآن ومن الذين بعثوا بالحق خاطب الله تعالى موسى وهارون عليهما السلام ليذهبا إلى فرعون ويدعوانه بالحكمة والموعظة الحسنة لعله يذّكر أو يخشى، والله معهما يسمع ويرى، قال تعالى: " اذهبا إلى فرعون إنه طغى. فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى" طه(43-44). لكن فرعون مثل لمن تكبر وطغى وكذب بالهدى وقال أنا ربكم الأعلى وأمر أن يأتوا بكل ساحر عليم، وقال: " فأجمعوا كيدكم ثم أتوا صفا وقد افلح اليوم من استعلى. فقالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى. قال بل ألقوا فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى. فأوجس منهم خيفة موسى. قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى. وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث آتى" طه (64-69).

هكذا كان أمر الله لموسى وهارون عليهما السلام، وبأمر الله تعالى استطاعا أن يدحضا من تكبر في الأرض بغير الحق، وبالحق انتصرا، ذلك مثل من أسلم واهتدى من بني إسرائيل. قال تعالى: " ولقد صرفناه بينهم ليذكروا فأبى أكثر الناس إلا كفورا. ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا. فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا" الفرقان(50).
بمشيئة الله تعالى سيظل القرآن سبيل للهدى والتقوى لأن الله تعالى ختم عهد الرسل ولو شاء الله لبعث في كل قرية نذيرا ، ولكن لا فائدة في أناس لا تؤمن، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ومضى مثل الأولين ولمن آمن بالله وصدق بالهدى وما أنزل على محمد والرسل من قبله صلوات الله عليهم جميعا الجهاد والاجتهاد علما وفكرا واقتداء بكتاب الله كلا حسب استطاعته وعلمه في سبيل الرشد والتقوى بتحريض وتكليف من الله تعالى.

قال تعالى: " فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم. وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون" الزخرف(43-44). ففعل فرعون لا يزال في هذا العصر (وزين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل) ومن اتبعه من الناس( فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين). ولم يكن ليغلبوا إرادة الله تعالى والله غالب على أمره، فحجتنا البلاغ والله بصير بالعباد. قال تعالى: " ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى بل لله الأمر جميعا أفلم ييأس الذين آمنوا ألو يشاء الله لهدى الناس جميعا ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا من ديارهم حتى يأتي وعد الله إن الله لا يخلف الميعاد. ولقد استهزئ برسل من قبلك فأمليت للذين كفروا ثم أخذتهم فكيف كان عقاب. أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت وجعلوا لله شركاء قل سموهم أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض أم بظاهر من القول بل زين للذين كفروا مكرهم وصدوا عن السبيل ومن يضلل الله فما له من هاد. لهم عذاب في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أشق وما لهم من الله من واق. الرعد (31-34).

" فستذكرون مـا أقول لـكم وأفـوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد" غافر (44).
"وهو الله لا إله إلا هو له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون".القصص(70).

المراجع

  • Allah the one and only allah the eternal absolute
  • NASA National Aeronautics and Space Administration
  • This is Allah
allah-the-only-eternal.com
ahad-ahad.com.

تعليقات