هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (23) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (24)
[ سورة الحشر ]


الحق (جل جلاله) وأزمات الفكر

2012-11-10 08:01:54 | أحمد خليفة يوسف

post-image

من خلال الإرتباط يمكنك قراءة هذا المقال بالاسبانية بصيغة PDF
من خلال الإرتباط يمكنك قراءة هذا المقال بالفرنسية بصيغة PDF

الحمد لله الذي هدانا للإسلام ومن علينا بالإيمان وشرفنا بالعبودية، الفضل والمنزلة التي لن يدركها الإنسان إلا إذا أدرك معنى الإيمان. قال تعالى: " الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون" الأنعام (82).
اقتران الإيمان باليقين يتبعه إقرار جازم علما وفكرا أن الله هو الخالق رب كل شيء ومليكه، تفرد في الصفات والأسماء والأفعال.

والعلم نوعان إما أن يكون موحى ( الذي أوحاه الله لأحد من عباده المصطفين ) وهذه العلوم انقطعت لتختزل في كتاب الله المحفوظ لتعطي مثلا على علوم الخلق وصفات وأسماء وأفعال الخالق ولتكون سبيل العقل للتعرف على الحق والهداية إليه أما النوع الثاني من العلوم فإنها المتحققة من التجربة والاستنتاج والملاحظة.
والعلم الموحى يكون قطعيا وأكثر دراية في الدلالة على علوم الخلق وكل أمر يتعلق بالخالق عرف للخلق، أما العلوم المتحققة فإنها مدركة ناتجة عن التجارب والبراهين دليل استيعاب واستغلال الإنسان، ولكل علم موحى دليل تأكيد في العلوم المتحققة فلا تعارض بين مصادر العلوم و إلا كان أحدهم غير صحيح، وفي التزام مصادر العلوم إقرار على علم الخالق جل جلاله عالم السر في السماوات والأرض.

أما الفكر فإنه قدرة الإنسان على تلقي العلوم وتحليلها وتسخيرها والاستفادة منها للوصول إلى أهدافه المتوخاة. وتنعكس آثار العلم والفكر على نفسية الإنسان وسلوكه فيكون اليقين في الإيمان، ليتجرد الإنسان من كل إملاءات الدنيا ليسمو إلى هدف أعلى ألا وهو رجاء الله تعالى، وفي ذلك إيمان بغير ظلم. ذلك هو الأمن الحق.

وركون الضمير للاطمئنان بالإضافة إلى الشعور بأن الأمور ستؤول إلى وضع السلام والرخاء يمنح الإنسان شعوره بالأمن. أما من الناحية المقابلة فإن من أضاع الإيمان هو من ألبس علمه وفكره بظلم وحق عليه نعت جاهل لأنه رضي لنفسه أن يكون عبدا لأي شيء إلا الله تعالى، فأخلد لإله الهوى وتعصب وأصر على الباطل رغم أن التعارض بين العلم المحرف والعلم المتحقق واضح والتعارض بين ذلك العلم والفكر واضح أيضا، ولكن تمسكه به أسفر عن إلحاد باطن أو ظاهر كل ذلك يلقي انعكاسا خطيرا على فكر وسلوك كل من جعل ذلك منهجه، فيكون التطرف أو التعصب سلوكه ضد أي فكر وخلق يؤثر على منافعه، والقصد هنا أن تعصبه لا يكون دفاعا عن الفكر( فهو يكذبه يقينا) وإنما دفاع أعمى عن المصالح التي أضحت متعلقة بذلك الفكر. ونتيجة لهذا التعصب فإن هذا الشخص يكون قد ألغى فكره وسلوكه مع الأخرين أن يكونوا معه سواء في هذا الجهل، و إلا فإنه لن يغير فكره وإن أتيته بالحق والكتاب المبين.

والدراسة الفكرية أو الثقافية عبارة عن بحث شامل في كل عامل يؤثر أو يتأثر بالفكر، ذلك أن الفكر شبكة متصلة ومتداخلة لذلك فالباحث الفكري هو باحث نفسي كذلك، لأن الفكر هو نتاج تلاقي عدة مؤثرات بيئية ونفسية تحدد نوعية الفكر.

وهدف هذا الموقع أنه مجادلة على بينة للحق بالمنهج العلمي والفكري.
ولقد سبق لنا محاولة للإعلان عن كتاب " هذا خلق الله " في أحد المواقع الالكترونية، ولكن التطرف والتعصب دفع القائمين على ذلك الموقع للتهرب، ذلك أن الدعوة للحق لم ترق لمن اتبع هواه فتردى، مع العلم أن ذلك الموقع يتبنى كل فكر زائغ عن الحق ظاهر الفساد والعلة.


إن مثل من يدير ويقف وراء ذلك الفكر المتطرف ويرفض كل فكر مخالف وإن كان على حق هو مثل المسعور الذي ينسلخ من كل خلق قويم لأنه عرف العدل وأنكره، فجهل وظلم نفسه والآخرين.

قال تعالى: " وإذا أخذ ربك من بنى آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا لغافلين. أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون. وكذلك نفصل الآيات ولعلهم يرجعون. واتلوا عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين. ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله فاقصص القصص لعلهم يتفكرون. ساء مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون". الأعراف (172-177).

إن حكم الإنسان غالبا ما يكون سطحيا، وهي الوسيلة التي تيسر لضعاف النفوس الظهور بما يخالف الواقع. ولكن هناك أمور مهمة تتطلب من كل إنسان فكرا ودراسة متأنية وبالذات الأمور المتعلقة بالعقيدة. ولقصد نشر البحث العلمي والفكري( والله من وراء القصد) فإننا نسعى إلى إنشاء هذا الموقع وندعو كل مفكر وكاتب لطرح أي مساهمة فكرية أو علمية تساعد على نشر البعد العلمي والمعرفي دون أي مساس شخصي أو عقيدي.
قال تعالى: " ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له حتى إذا فزّع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلى الكبير. قل من يرزقكم من السماء والأرض قل الله وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين. قل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تعملون. قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم". سبأ(23-26).

أزمة الفكر البشري

يتأثر الفكر البشري بالعلم والثقافة، ويتغذى من رافدين فإما موروث أو مستحدث، المستحدث هو ما أنجز أو برز نتيجة للتطورات البيئية سواء كانت معرفية تخص العلوم وما يتعلق بها، فالاختراعات والاكتشافات تنشئ معارف جديدة، وكلما زادت هذه الاختراعات والاكتشافات تولدت معارف لم تكن معروفة وتغيرت وتطورت معارف أخرى.

إن التطور التقني وانتشار وسائل الاتصال في العصر الحاضر غيرت وأحلت نسقا اجتماعية واقتصادية وسياسية جديدة على بعض الثقافات، وطورت البعض الأخر.
كذلك قد تتأثر الثقافات المستحدثة من تطورات ظرفية وشخصية تخص المفكرين أنفسهم، فكثيرا ما تؤثر تجربة مفكر ما في أسلوب تفكيره فتفرض عليه أفكارا جديدة تناقض أو تدعم المفهوم الفكري السائد.
أما المفهوم الفكري الموروث فهو ما يكتسبه الإنسان من الثقافات السابقة أو هو التراكم العلمي والثقافي لأمة ما خلال العصور الماضية، وإرث الآباء والأجداد، ويمتاز بطابع الإقتداء وحب التمسك بالعادات والتقاليد. وغالبا ما يكون التنافر والاختلاف هو المسيطر على حالة الثقافات والفكر البشري بين ما هو موروث وما هو مستحدث. والمستثنى من ذلك يكون التغير فيه عميق.

طبعا هناك أمور ثقافية وعلمية معروفة ولكن درجة استيعاب الإنسان قد تختلف نتيجة توفر وسائل ومعدات جديدة، ومن أمثلة ذلك العلوم الطبيعية والكونية. والجدير بالذكر إن أعظم التعارض والاختلافات الفكرية تحدث بين العلوم والمعارف وبين العقائد الوضعية المتغيرة بطبيعتها والمحرفة لتخدم أغراض واضعيها، ويخلق ذلك أزمة فكرية، فهي محرفة لأنها تجهل الخلق والخالق وتكذب على الخالق وهي وضعية تعارض كل علم وفكر.

ويتفاقم الأمر سوءا لتلك الأزمات الفكرية مع تداخل تأثيرات أخرى مركبة من الميول والرغبات والظروف الخاصة، تصور الباطل حقا وتصدقه. والظروف الخاصة تعني التزامات فردية وجماعية تختلف حسب الفرد والجماعات فيها منافع معنوية ومادية شتى، وحتى نكون على بينة من التقديم السابق نورد المثال التالي(وهذا مثال وليس حصرا):-

تقول مقدمة العهد القديم: " إن مركز الكتاب المقدس بأسره هو الله السرمدي الكائن قبل أن ينشأ عالم أو تخلق الأفلاك أو تشكل الأكوان، يستهل العهد القديم أولى آياته بهذا النص :" في البدء خلق الله السماوات والأرض .." وهذا يعني أن الله موجود بديهيا ولا يحتاج وجوده إلى برهنة . وبناء عليه فإن الخليقة بكاملها تقع تحت سيادة هذا الخالق الأزلي الذي توج عمل يديه عندما خلق الإنسان على صورته ومثاله،وأقامه في جنة عدن، وسلطه على سائر الكائنات فكان الإنسان يتمتع بالحرية والطمأنينة والسلطة والرفاهية، فضلا عن علاقات حميمة مع الله."

ويفصل الكتاب المقدس كيفية بدء الخلق على النحو التالي:-

بدء الخلق:

1- في البدء خلق الله السماوات مشوشة ومقفرة وتكتنف الظلمة وجه المياه، وإذ كان روح الله يرفرف على سطح المياه.

اليوم الأول: النور
أمر الله: " ليكن نور" فصار نور، ورأى الله النور فاستحسنه وفصل بينه وبين الظلام. وسمّى الله النور نهارا، أما الظلام فسماه ليلا. وهكذا جاء مساء أعقبه صباح، فكان اليوم الأول.

اليوم الثاني: الجلد
ثم أمر الله:" ليكن جلد يحجز بين مياه ومياه" فخلق الله الجلد، وفرق بين المياه التي تحملها السحب والمياه التي تغمر الأرض. وهكذا كان. وسمّى الله الجلد سماء، ثم جاء مساء أعقبه صباح فكان اليوم الثاني.

اليوم الثالث: الأرض الجافة والخضروات
ثم أمر الله:" لتتجمع المياه التي تحت السماء إلى موضع واحد، ولتظهر اليابسة". وهكذا كان. وسمّى الله اليابسة أرضا والمياه المجتمعة بحارا. ورأى الله ذلك فاستحسنه. وأمر الله:" لتنبت الأرض عشبا وبقلا مبزرا وشجرا مثمرا فيه بزوره الذي ينتج ثمرا كجنسه في الأرض". وهكذا كان. فأنبتت الأرض كل الأرض كل نوع الأعشاب والبقول التي تحمل بزورا من جنسها، والأشجار التي تحمل أثمارا ذات بذور من جنسها. ورأى الله ذلك فاستحسنه. وجاء مساء أعقبه صباح فكان اليوم الثالث.

اليوم الرابع: القمر والنجوم
ثم أمر الله:" لتكن أنور في جلد السماء لتفرق بين النهار والليل فتكون علامات لتحديد أزمنة وأيام وسنين. وتكون أيضا أنوار في جلد السماء لتضيء الأرض". وهكذا كان. وخلق الله نورين عظيمين، النور الأكبر ليشرق في النهار والنور الأصغر ليضيء في الليل، كما خلق النجوم أيضا. وجعلها الله في جلد السماء لتضيء الأرض، لتتحكم بالنهار والليل ولتفرق بين النور والظلام. ورأى الله ذلك فاستحسنه. وجاء مساء أعقبه صباح فكان اليوم الرابع.

اليوم الخامس: الطيور والأسماك
ثم أمر الله:" لتزخر المياه بشتى الحيوانات الحية ولتحلق الطيور فوق الأرض عبر فضاء السماء" وهكذا خلق الله الحيوانات المائية الضخمة والكائنات الحية التي اكتظت بها المياه كلاّ حسب أجناسها، وأيضا الطيور وفقا أنواعها. ورأى الله ذلك فاستحسنه. وباركها الله قائلا: " أنتجي، وتكاثري واملإي مياه البحار. ولتتكاثر الطيور فوق الأرض". ثم جاء مساء أعقبه صباح فكان اليوم الخامس.

اليوم السادس:الحيوانات والإنسان
ثم أمر الله: " لتخرج الأرض كائنات حية، كلا حسب جنسه، من بهائم وزواحف ووحش وفقا لأنواعها" وهكذا كان. فخلق الله وحش الأرض، والبهائم والزواحف، كلا حسب نوعها ورأى الله ذلك فاستحسنه. ثم قال الله:" لنصنع الإنسان على صورتنا، كمثالنا، فيتسلط على سمك البحر، وعلى طير السماء، وعلى الأرض، وعلى كل زاحف يزحف عليها". فخلق الله الإنسان على صورته. على صورة الله خلقه. ذكرا وأنثى خلقهم. وباركهم الله قائلا لهم:" أثمروا وتكاثروا واملأوا الأرض وأخضعوها. وتسلطوا على سمك البحر، وعلى طير السماء، وعلى كل حيوان يتحرك على الأرض". ثم قال لهم: " إني قد أعطيتكم كل أصناف البقول المبزرة المنتشرة على كل سطح الأرض، وكل شجر مثمر مبزر، لتكون لكم طعاما. أما العشب الأخضر فقد جعلته طعاما لكل من وحوش الأرض وطيور السماء والحيوانات الزاحفة، ولكل ما فيه نسمة حياة". وهكذا كان.
ورأى الله ما خلقه فاستحسنه جدا. ثم جاء مساء أعقبه صباح فكان اليوم السادس.

اليوم السابع: يوم الراحة
2- وهكذا اكتملت السماوات والأرض بكل ما فيها. وفي اليوم السابع أتم الله عمله الذي قام به، فاستراح فيه من جميع ما عمله. وبارك الله اليوم السابع وقدسه لأنه استراح فيه من جميع الخلق، هذا وصف مبدئي للسماوات والأرض يوم خلقها الرب الإله".

هذا التفصيل ببدء خلق السماوات والأرض غير واضح فما هي الأرض المشوشة والمقفرة، وما الفرق بينها وبين الأرض الجافة، لقد تم تلقيح وتحريف هذا الكتاب لعله يتم تلافي ما حرف سابقا، فلو ذكرنا الترتيب الوارد في هذا الكتاب كما يلي:- »اليوم الأول خلق الله النور، وذلك غير صحيح لأن الليل والنهار يكون نتيجة دوران الأرض حول نفسها ودورانها حول الشمس.
»في اليوم الثاني خلق الجلد، ما هو الجلد الذي يحجز ماء عن ماء فالسماء ليست جلد، هي غاز ولا يوجد فرق بين المياه التي تحملها السحب والمياه التي تغمر الأرض، فالمياه العذبة أصلها السحب، وجلدة السماء الزرقاء التي كانت حسب اعتقادهم سكنا للخالق والملائكة لها أثر كبير في تكذيب أعداد كبيرة من المفكرين والعلماء للكتاب المقدس وارتيابهم حتى في الخالق.
اليوم الثالث: الأرض الجافة والخضروات وفي اليوم السابع بعد تمام الخلق نمت الزروع والأعشاب وهذا تحريف واضح لتلافي التحريف السابق. وهذا غير صحيح فالعلم قدر عمر المجموعة الشمسية بـ 4.5 مليار سنة تقريبا بينما قدر عمر الكون من 13- 15 مليار سنة تقريبا. كل هذا التعارض لا يغيب عن العاقل، بل إن التعارض التالي فيه كذب على الله تعالى، فكيف يكون خالق أزلي ويستريح في اليوم السابع، وهذا جهل في قدر الله تعالى، فالأزلي أو السرمدي لا يموت ولا يزول ولا يتعب ولا يجوع، هو موجود قبل الوجود، وأعظم من الخلق وليس كمثله شيء، بينما الإنسان خلق على شكله ولم يكن خلق آخر وتطور، فالله تعالى أحسن صورة آدم عليه السلام فبدأ خلقه إنسانا ولم يخلقه حيوانا فتطور حتى أصبح إنسانا، فحاشا أن يكون شكله على مثل الخالق سبحانه وتعالى عما يصفون قال تعالى: " الله الذي جعل لكم الأرض قراراً والسماء بناءاً وصوركم فأحسن صوركم ورزقكم من الطيبات ذلكم الله ربكم فتبارك الله رب العالمين" غافر (64). ورغم التغيرات والتحريفات الدورية لتلافي الأخطاء إلا أن ذلك لا يغيب عن كل عقل له ذرة من الوعي فالأمر بالإضافة أنه عقيدة هو مصالح ومنافع وظروف خاصة وعامة لها قدرة كبيرة في السيطرة وإخضاع وتحديد الفكر، بل إن الأمر أكثر سواء من ذلك، كثيرا ما ادعت هذه الفاعليات بالباطل وصدقته.(1)
قال تعالى: " أم آتيناهم كتابا من قبله فهم به مستمسكون. بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون. وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون. قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون" الزخرف(21-24).
مترفوها: هم أصحاب المصالح والمنافع الذين استفادوا وبرعوا في استغلال الوضع المنحرف ( ويبغونها عوجا ).

هذه بعض الظروف والتي ما انفكت تلقي بظلالها على الفكر، وكما ذكرنا سابقا
فبالإضافة إلى العامل الظرفي الخاص بكل مفكر على حدة وكل جماعة.فإن المؤثرات المادية والمعنوية هي التي تصوغ الفكر وتشكله وبالتالي وهذا كله يشكل أزمة فكرية ظاهرة ومستترة( والمستترة تعني اقتناعا نفسيا أن ذلك كذب وريبة في كل شيء)

إن تجرد الأحكام والقرارات من الميول والأهواء هو العدل (أسمى الفضائل الإنسانية)، يظل هذا التوجه في البيئة البشرية السابقة محدودا، فوجود الفرد ضمن جماعة يفرض عليه الالتزام بمفهوم العدل السائد لتلك الجماعة، وقد تتغلب عليه المفاهيم الشكلية أو الدستورية والأهواء العامة، ففي بعض الدول والتي قطعت شوطا في التقدم الثقافي والحضاري لازالت تشرع دستورا يرفض وجود الخالق الأزلي، وتعاضد الأسباب وتفاقمها للإيقاع بالفكر لا يعني أن سبل العلم ووسائله لا تثني الفكر السليم نحو الهدى والحق، فأما من اتبع الشهوات ووقع في براثن الجهل ( وهو المتفشي ) ومخلفات الفكر الفاسد من ثقافات بالية عاجزة أمام التحديات العلمية( وظن في نفسه الظنون) قال أنه لا يزال مترددا في قبول فكرة الإله أو الخالق، وحتى لا ننساق بالعبارات، فإن الأمر يقتضي التمييز للتعرف على مفردات الفكر وهي: الفكرة، فالنظرية، فالحقيقة وعلاقة كل ذلك بالحق.

الحمد لله رب العالمين الذي هدى الناس النجدين، وليس بعد الحق إلا الضلال المبين، قال تعالى: " بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون" الأنبياء(18).

الفكر هو نشاط عقلي مستمر يرتبط بالكائنات الحية الذكية، وهو دليل أهليتها ووجودها في وضع مميز بين الكائنات، والاستمرار يعني التراكم الثقافي والعلمي لتحقيق إدراك ومستوى معيشي وفكري أفضل، فالإنسان هو أكثر المخلوقات نشاطا عقليا على الأقل في العالم المشاهد أو المحسوس، وذلك لم يكن هباءاً فالتأهيل الفكري تزامن مع تسخير ما في السماوات والأرض قال تعالى: "ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير" لقمان (20).
فالسماوات والأرض مسخرات للإنسان وغيره من الكائنات الحية والله تعالى أتم النعم على الإنسان فمنها ما هو ظاهر مثل النعم الحسية والحركية أو جميع الوسائل التي يدرك بها الإنسان البيئة ويتكيف معها. ولكن كيفية التكيف والاستجابة لهذه البيئة هي من النعم الباطنة أو الظاهرة وتختلف من إنسان لآخر بناءا على مكتسباته العلمية والفكرية . وعلى أثر تلك المكتسبات يكون الإيمان فالأمن والهدى وتلك من النعم الباطنة ولم يكن ذلك باطلا، فلا يعقل أن يكون الخلق والإبداع عبثا أو دون هدف، ذلك ظن الذين لا يعلمون، فلكل شيء سبب وللخلق هدف وهو عظيم، قال تعالى:" أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون" المؤمنون (115).
فلو ضربنا مثلا (ولله المثل الأعلى) إن نظاما معينا أتقن عمله وزود بتقنيات رفيعة تغني عما سواها، فهل يعقل أن يوجد هذا النظام هباءاً؟! وهل يعقل أن هذا النظام أوجد نفسه بنفسه، قال تعالى: " أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون. أم خلقوا السماوات والأرض بل لا يوقنون"الطور(35-36).
كلا إن درجة الإتقان تدل على المبدع أو الخالق، وكلما زاد النظام إبداعا ودقة زادت معه المعرفة بالمبدع والخالق. وأكثرهم علما ودراية في تحديد هدف النظام هو المبدع أو الخالق، كل ذلك في ظل توفر الإمكانيات والمواد الأساسية، فإذا كان الخلق من العدم فإن الخالق أو المبدع هو فقط الذي يضع ويحدد السبب والهدف ويعلم كل شاردة وواردة، وما تخفي الصدور، قال تعالى: " قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد. قل ما أسألكم من أجر فهو لكم إن أجري إلا على الله وهو على كل شيء شهيد". سبأ(46-47). يأمر الله تعالى النبي صلى الله عليه وسلم بأن يعظ الناس بفكرة واحدة ( في أسلوب بيان وتحدي وصيغة إعجاز) أن يتخذوا أسلوب الفكر السليم منهجا فرادى وجماعات ليتفكروا في خلق الله تعالى وقدرته، وأن ما أتى به النبي صلى الله عليه وسلم ليس هراء أو جنونا إنما يسر بلسانه لينذر من عذاب شديد.
فالله تعالى هدى الإنسان سبل الحق والرشاد وأمره بالعدل وفي ذلك تقوى الله وطاعته. والظلم في السياق الفكري هو ظلم النفس، فالإنسان يضر نفسه ويظلمها إن تجاهل الحقيقة فهو أكثر ظلما إذا نسي أو تجاهل الحق، وأما جزاء النبي صلى الله عليه وسلم فعلى الله وهو على كل شيء شهيد.

أما الفكرة فهي ناتج الفكر أو وحدة جزئية من الفكر وتخص شيئا محددا كان أسلوبا أو تصورا أو مفهوما أو هي افتراض عقلي يحتمل الصواب والخطأ وتكون عرضة للتغير حسب الشخص والمعطيات. فإذا كان أسلوب فكريا فهي تحديد وسائل معينة تستخدم لإنجاز عمل محدد يحقق هدفا حدد أو عرف سابقا، وقد يتضمن ذلك فعلا حركيا، وبشكل عام هي أسلوب أو سلوك اجتماعي يحقق غاية معينة سواء كانت اقتصادية أو سياسية أو


اقرأ المزيد


مقدمة كتاب سبل الحق جل جلاله - دعوة للتفكر الفكر = الهوي (الثقافة + العلم)

2012-11-10 08:45:10 | أحمد خليفة يوسف

post-image


بسم الله الرحمن الرحيم



قال تعالى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) سورة المائدة 54

أحد أحد الله الصمد مولاي وسيدي وحبيبي أذنت وقلت "يحبونه" ولولاه لما بحت بهواى سبحانك ملئ السموات والأرض ولك المثل الأعلى في نفسي وعيني وأنت أجل وأعظم لك أصغي سمعي وخضع أمري وصح بذكرك قلبي وجوارحي أحد أحد الله الصمد

الحمد لله الذي هدانا للإسلام ومنَّ علينا بالإيمان وشرفنا بالعبودية فضل خص به تعالى من أخلص النية وعدل في أتباع منهج الصدق في الإيمان بالله تعالى.
قال الله تعالى: [(الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ )] الأنعام: 82

وحيث أن نبذ الظلم هو العدل فإن الظلم هنا هو ظلم النفس ذلك أن الإيمان بالله تعالى يخص الإنسان نفسه و يتحمل توابع اختياره, ولذلك فإن الاختيار يكون منوطا بالإنسان ذاتيا، والإخلاص في الإيمان هو منهج يرتبط بنية الإنسان ومنهجه الفكري والعلمي.ولذلك يجب التأكيد أن المنهج الفكري لدى الإنسان يلتزم بعلم اليقين وإن الله تعالى هو الحق المبين خالق كل شيء ومليكه تفرد بالصفات والأسماء والأفعال ليس كمثله شيء.

وبناء على ذلك فإن الأمن والعدل تعني إخلاص الإيمان والهدى لله تعالى ضمن قناعة فكرية وأخرى علمية.
فالقناعة الفكرية هي مفهوم الخلق والغاية من الحياة, وكيفية تحقيق تلك الغاية وتوظيف ما يملك من خصائص فكرية ورغبة الإنسان في إن يتضمن استخدام العلم شتى مفاهيم الحياة.
أما القناعة العلمية فهي مفهوم (الحق) والصدق والإخلاص الذي يثبت العدل من كل انحراف أو فكر أعوج ومتلائم مع كل حقيقة علمية وفكرية.
تتكون القناعة العلمية من شقين متكاملين توحد بينهما أساس العلوم في تداول ومخاطبة العقل البشري حيث أن كل تعارض في تلك العلوم يخلق أثار سلبية على الفكر البشري ولذلك هي متكاملة والأخذ بإحداها دون الأخرى يخلق اضطراب وأزمة فكرية.



هذه العلوم هي:-

• العلم المُوحى:-
وهي البينات أو العلم المُوحى من الله تعالى لأحد من عباده المصطفين لهداية الناس لسبل الحق.
قال تعالى "ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا كُلَّ مَا جَاء أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُم بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِّقَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ" المؤمنون 44

بعث الله الرسل لقصد هداية الناس وكانوا في تتابع لأن الناس تُحرف كل البينات الموحاة من الله وتطوعها لأهوائها فتتابع الرسل كان لإعادة الناس إلى جادة الحق ولكن الانحراف مبلغ كل هوى زائغ فبعداً لقوم لا يؤمنون .

وقد ختمت الرسالات برسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بنزول القرآن الكريم الذي حفظ العلم الموحى في آيات بينات ومثلا من الذين خلوا وأقام مضمون الكتب الموحاة في الرسالات السابقة لتوحيد الحق جل جلاله دعوة وموعظة للمتقين هو كتاب لا ريب فيه هدي للمتقين وعلم أقام به حجة الرسل عند انقطاعهم عن الناس.

لم يفرط الحق عز وجل من بينه إلا وأتى بها القران الكريم ومن لم يهديه ذلك فقد سيطر عليه الهوى وألغى المنهج العلمي من الفكر.

فكل صفات وأسماء وإبداع صنع الخالق وعلوم الخلق التي أراد سبحانه وتعالى إبلاغها للخلق في ذلك الكتاب الذي لا ريب فيه هدى للناس.
هو متطلب الفطرة الأولي والتي خلق الله الناس عليها قال الله تعالى :"فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ *وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ * كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ * أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ * فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنتَ بِمَلُومٍ * وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ * وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ * فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِّثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ * فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِن يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ "الذاريات (50 – 60)
هي رغبة وحاجه الناس للأمن والتي تتحقق بالارتقاء إلى غاية الله تعالى من الخلق.
فحاجة الإنسان للطمأنينة والأمن تتحقق في الخضوع لأمر الله تعالى في الخلق بإخلاص العبودية وذلك ضمن المنهج القرآني.
وحيث أن هذه الحاجة من الإنسان, هي الفكر التي يترجم بها الإنسان رغباته, كان بيانه أن تؤسس على علم اليقين العلم الذي يحقق غاية الإنس والجن من الخلق، وهي فطرة الله لا تبديل لخلق الله.




• العلم المجرد:-

هو الشق الثاني من العلوم متحقق من إدراك نتائج التجارب والمشاهدة والبرهان دليل استيعاب وقدرة الإنسان للتعرف علي الطبيعة المحيطة والكائنات الحية بما يفيده ويحقق حاجاته.
كذلك الاستعانة بالوسائل والوسائط المساعدة التقنية والفنية في تحقيق المعارف وتلك الحاجات والرغبات.

إن تكامل العلوم (العلم الموحى والعلم المجرد) في تداول و مخاطبة العقل البشري تعني تماسك الفكر البشري في مواجهة شتى صعاب الحياة وأزمات الفكر.
في حين إن التعارض والاختلاف بين أهواء الناس, ما يمثل ذلك من بدع الديانات المحرفة, في عبادة غير الله تعالى ما هي إلا سبل تبتعد بهم عن الصدق والعدل وعبادة الحق جل جلاله كما ارتضى.

قال الله تعالى :" وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ شَيْئًا وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ * فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللّهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ * ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً عَبْدًا مَّمْلُوكًا لاَّ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ * وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ عَلَىَ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ " النحل 73:73
إن في خلق السموات والأرض لآيات تدل على الخالق وقدرته عز وجل.
يأيها الناس ءإذا عبدتم دون الله أحدا ضربتم الأمثال في خلق السماوات والأرض لله تعالى؟!، والناس تتبع أهواءها في العبادة لغير الله تعالى، فإذا استعص عليهم خلق السماوات والأرض وقدرة معبودهم الباطل على الخلق قالوا إن هذا الخلق لا خالق له وقالوا هو خلق أزلي.
ذلك أن أكثرهم تعبد أهواءها ولو اتبعتهم لأضلوك، أم جاءهم علم من معبودهم الباطل، إن هو إلا ظن بل أنهم لا يعدلون.
إن عبادة غير الله تعالي تجبر العبد على الخضوع لمعبودة أو هواه . فهل يستوي هو ومن عبد الله تعالى على بينه وعلم صحيح و ينفق في سبيله سراً وجهراً.
الحمد الله بل أكثرهم لا يعلمون، وفيهم من يعلم، وفي كلا الحالتين سيطر الهوى عليهم حتى أعمي بصيرتهم، فلا يستطيعون الفصل بين العبد المتبع لهواه الباطل، والعبد الذي عبد الله علي بصيرة وعلم وأنفق مما رزقه الله سراً وجهراً.

أن مثل العبد الأول، من اتبع هواه، هو الأبكم الذي لا يقدر علي شيء وأينما يوجهه مولاه لا يأتي بخير... فهل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو علي علم اليقين والصراط المستقيم.
الذي لا يعبد الله تعالى يكون ولاءه لهواه فنيته تتعارض مع الصدق و العدل والإخلاص, هو كاذب لأنه غير صادق النية لا يعبد الخالق الحق فعبادة الخالق هي العدل وغير ذلك فيه ظلم وتجني على النفس ذلك أن الخالق عز وجل ليس في حاجة العبد ولكن العبد في حاجة الله تعالى. فالناس تحيا برحمة الله الذي سخر ما في السموات والأرض وكل نعمة هي من رحمة الله وكل فتنة هي إبتلاء واختبار للناس للتمييز بين الحق والباطل.

فإذا عرفت الله تعالى حق معرفه فإن الإخلاص يكون في عبادته.
بينما عبادة الهوى تعني أن الإنسان يبحث عن منافعه دون الاكتراث لأي أمر آخر " ليس له قناعة ذاتية " أينما توجهه لا يأتي بخير لأنه عرف أنه علي باطل ولو كذب علي نفسه.
بينما من استجاب للحق والعدل في عبادة الحق يسخر طاقاته ليظهر الحق والعدل "هو على قناعة نفسية " وأينما توجهه يأتي بخير وهو على صراط مستقيم.

ومافي الامر: إن ما قام على الباطل لا ينتج إلا باطل، فلا تضربوا الأمثال، في العلم لله تعالى، فالله له المثل الأعلى إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون.

أما الإصرار على ما حرف والباطل والكذب فلن يغير واقع الانحراف ولن يكون الكذب حقاً ولو حرصتم.

ولكن الأمر الواقع أن ذلك له أثار سلبية فكرية تراكمية لا تزيد الأمر إلا سوءاً و تسفر عن الحاد ظاهر أو باطن فما قام علي الباطل يظل كذلك وحيث ذلك فأن اللعنة تعرف بالأصرار علي الكذب والباطل.
قال الله تعالى :" وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ * وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ * وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ * سَاء مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ " الأعراف 172- 177
الله تعالى الذي خلق بني آدم في أجيال متتابعة, كل جيل سلالة الجيل الذي سبقه, وبعث فيهم الرسل معرفين ومنذرين، معرفين بسبل الحق، ومنذرين الناس من عاقبة أتباع الهوى.

فالإضافة إلى الفطرة الأولى، ورغبة الإنسان وحاجته لعبادة الله، فإن الناس شهدوا أن الله تعالى هو الخالق الحق.

ولكن الهوى، ليس غيره، هو الذي أضل الناس فلا حجة بالآباء وشركهم، فهذه هي آيات الله تعالى هل تكفيكم للرجوع إلى سبل الحق.

كذلك نبأ الذي آتاه الله آيات الهدى ولكن انسلخ منها واتبع الغوي (الهوى) ببصيرة الشيطان زاغ عن الحق وأخلد في تتبع مرادي الهوى، حب الدنيا، وما تعنيه الكلمة من انحطاط فكري عظيم عن رسالة السماء وما تتضمنه هذه الرسالة من سمو فكري رفيع وتفكر في آيات الله وخلقه.

من هذه الآيات العظام نستدل ونستنبط على آلية ونهج الفكر البشري هي أن:

الفكر = الهوى ( الثقافة + العلم ) والتي سنتعرف عليها فيما بعد بالتفصيل.

وعدم قدرة الإنسان للتجرد للحق والعدل تعني كذلك أن أولوياته لا تزال في عبادة أي شيء غير الله تعالى .

إن التطرف والتعصب هو نتاج الباطل حين يصعب مواجهة الحق والعدل كل ذلك يعطي نتائج عصبية منحرفة تؤثر على الفعاليات الإنسانية حتى ينهج سلوك الكلب المسعور للدفاع عن الباطل حين يكون الإنسان قد استنفذ جميع وسائله و ألغى عقله، فإذا ظلم الأخريين فإنه قد ظلم نفسه قبل كل شيء.

من ذلك نستدل على الارتباط الشديد بين الفكر والحالة النفسية فالفكر شبكة متصلة ومتداخلة في العلاقات والقيم الإنسانية بل وجميع الفعاليات البشرية هي نتاج الفكر، لذلك فالباحث الفكري هو باحث نفسي، أي يلم بنفسيات الناس الظاهرة والباطنة من خلال الفكر والهوى وبالنسبة إلى المعادلة السابقة فإن تحديد الفكر والهوى يعرفنا ما تخفي الأنفس قال تعالى:( يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ * وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ) التوبة 64 - 66

ما يعبر عنها الناس من السلوك الظاهر ومدى ارتباط ذلك بالحالة النفسية للأفراد.
كذلك الفكر هو نتاج تلاقي عدة عوامل خارجية (بيئية) وداخلية (نفسية) قد تكون بسيطة، أي مؤثرات واضحة، وقد تكون مركبة، أي تتأثر بعدة عوامل، تسفر عن تحديد السمات الفكرية وسوف نتعرض لذلك فيما بعد.

إن أغلب قرارات وأفعال الإنسان تتسم بالعفوية الساذجة التي تقوى علي زمرة من الأهواء, لقد حضر لهم شيء وغابت عنهم أشياء كثيرة تمثلت في الحقائق وعلم اليقين وهدف الخلق في الحياة والممات وما إلى ذلك من أِشياء هامة.

ولا يعول ذلك إلا سوء ظن الإنسان وجهله بالله . قال تعالى :( فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ * أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ * الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) سورة التوبة 77-80

ومربض النفاق هو القلوب (الهوى)، وإذا تمكن منها فأنه يتعاقب عليها أي يزداد سوءاً مع تقدم العمر (مردوا علي النفاق)، هو لا يفارقهم حتى يلقوا ربهم، ذلك أنهم كرهوا الصدق فكانوا يكذبون، كأنهم لا يعلمون أن الله يعلم سرهم ونجواهم وأنه تعالى علام الغيوب، هم الذين يسخرون بالمطوعين من المؤمنين في الصدقات، وليس في جهدهم وقدرتهم إلا إن يسخرون منهم سخر الله منهم، وغضب الله عليهم، وتوعدهم بالعذاب الأليم، ، ولن يغفر الله لهم، لا تستغفرلهم، الاستغفار لهم وعدمه سواء و ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله واتبعوا أهواءهم الكفر والفسوق .

الهوى موجود في حاضر الناس كما وجد في أسلافهم ينتقل ويتغير حسب الظرف الزماني والمكاني من جيل إل جيل "أتواصوا به".
لن تهدي من تشاء وليس لنا من الأمر شيء أنما هي ذكرى لعلها تنفع الناس ومن كان يرجوا الله واليوم الأخر.
فالذين جاهدوا أنفسهم واظعنوا للحق هداهم الله ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو كذب بالحق لما جاءه أليس في جهنم مثوى للكافرين.

قال الله تعالى :" وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ " العنكبوت 69

والله تعالى مع المحسنين الذين أحسنوا في أتباع الصدق الذي يهدي للحق في القرآن الكريم
قال تعالي :" وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ * قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ * قُل لّا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ * قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ * قُلْ أَرُونِي الَّذِينَ أَلْحَقْتُم بِهِ شُرَكَاء كَلاَّ بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ " سبأ 23 – 26
لن تنفع الشفاعة عند الله إلا لمن أذن له، فإذا فصل بينكم و بين ما تهوون، فإنكم تذكرون قول الحق في القرآن الكريم قول العلي الكبير سبحانه ما أعظم ذاته وسلطانه.
أمره وسلطانه في السماء والأرض التي أعطت لرزقهم وحياتكم سبب، فإذا خفي الأمر عليكم أو أنكرتموه فإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين، فلن تسألون عما أجرمنا ولن نسأل عما كنتم تعملون, الله تعالى يجمع بيننا ويفصل بالحق والعدل سبحانه الحاكم العليم.


اقرأ المزيد